التوبة على ثلاثة أقسام، أولها التوبة وآخرها الأوبة وأوسطها الإنابة. فمن تاب خوف العقوبة فهو صاحب توبة، ومن تاب رجاء مثوبة فهو صاحب إنابة، ومن تاب حفظا وقياما بالعبودية لا رغبة في التواب ولا رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة.
فالتوبة صفة المؤمنين، قال الله تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)) ]سورة النور[. ففي هذه الآية إشارة عامة وبشارة خاصة:
فأما الإشارة الخاصة ففيها أمر بالتوبة: فمع طاعتهم أمرهم بالتوبة لئلا يُعجبوا بطاعتهم ويصير عجبهم حجبهم، فأمرهم بالتوبة، فسوى في ذلك الطائع والعاصي. ولذلك قال رسول الله ﷺ (يا أيُّها النَّاسُ توبوا إلى اللهِ؛ فإنِّي أتوبُ في اليَومِ إليه مِئةَ مَرَّةٍ) ]صحيح مسلم[.
وأما الإنابة فهي صفة الأولياء: قال الله تعالى (وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33)) ]سورة ق[.
واما الأوبة فصفة الأنبياء والمرسلين: قال الله تعالى (نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)) ]سورة ص[.
ثم اعلمْ أن توبة العوام تكون من الذنوب، وتوبة الخواص تكون من غفلة القلوب، وتوبة خواص الخواص تكون من كل شيء سوى المحبوب. فشتان بين التائب من الزلات ومن الغفلات، والتائب من رؤية الحسنات. وذلك معنى قول الجنيد (حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ)، لأن من عبد الله استحقاقا لربوبيته وقياما بعبوديته فعنده رؤية التواب وملاحظة العقاب نقص، وإنما خوفه هيبة ورجاؤه ثقة به سبحانه. وهذا هو المعنى الصحيح لقوله، بعيدا عن المعاني الفاسدة التي قد تُحمل عليه. فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الوجه الصحيح ”الْأَبْرَار يقتصرون على أَدَاء الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات ، وَهَذَا الاقتصار سَيِّئَة فِي طَرِيق المقربين.“.