إن الطريق إلى الله سبحانه لها ظاهر وباطن، فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة. فبطون الحقيقة في الشريعة كبطون الزبد في لبنه أو الكنز في معدنه.

فالمراد من الحقيقة والشريعة إقامة العبودية على الوجه المراد منك. وكل شريعة لا حقيقة لها فهي عاطلة وكل حقيقة لا شريعة معها فهي باطلة. ومصداق ذلك ما روي في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه، قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي إذ استقبله شاب من الأنصار، فقال له النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "كَيْفَ أَصْبَحَتْ يَا حَارِثُ"؟ قال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًا، قال: "انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً"، قال: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي عز وجل بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوَوْن فيها، قال: "الْزَمْ؛ عَبْدٌ نَوَّرَ الله الإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ"، فقال: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة، فدعا له رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فنودي يومًا في الخيل، فكان أول فارس ركب، وأول فارس استشهد، فبلغ ذلك أمه، فجاءت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن يكن في الجنة لم أبك ولم أحزن، وإن يكن في النار بكيت ماعشت في دار الدنيا، قال: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا لَيْسَتْ بِجَنَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنَّهَا جِنَانٌ، وَإِنَّ حَارِثَةَ فِي الفِرْدَوسِ الأَعْلَى"، فرجعت أمه، وهي تضحك، وتقول: بخ بخ لك يا حارثة.
فالشريعة حق والحقيقة حقيقتها. فالشريعة القيام بالأوامر والحقيقة مشاهدة الأمر.
والحقيقة والشريعة تجمعهما كلمتان وهو قوله جل وعلى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فإياك نعبد شريعة، وإياك نستعين حقيقة.